قانون منع التدخين

باتت رحلة الثلاثينية سعاد اليومية في باصات النقل من الزرقاء الى عمان تشكل رعبا حقيقيا لها ليس بسبب السرعة الزائدة، بل من مصاعب صحية ترافقها من رائحة دخان السجائر التي تتسلل إلى صدرها ويضيق تنفسها وبالكاد تستطيع ممارسة الشهيق والزفير بصورة طبيعية.
يجهل عدد كبير من سائقي الباصات وركابها أن سعاد -اسم مستعار- مريضة سرطان ومصابة بالغدد الليمفاوية، غير أنها تحاول أن تتغلب على ألمها النفسي والجسدي بفكرة الاستمرار في عملها بإحدى المؤسسات الرسمية في عمان، لكنها وجدت “أن رائحة سيجارة الموت في الباصات تفتك بها على العكس تماما من رائحة الكيماوي الذي ينقذ حياتها” حسب قولها لـ “الغد”.قانون “غير أخلاقي” يضعه بعض سائقي الباصات العامة و”كونترولية “الباصات الصغيرة “الكوستر” والسرفيس الأبيض بأن يستبيحوا صحة الركاب مركبتهم، ضاربين بعرض الحائط قانون الصحة الاردني رقم47 لسنة 2008 والذي ينص على “منع التدخين في الاماكن العامة ومنها وسائط النقل ويجيز للمحكمة حجز واسطة نقل الركاب في حال تكرار المخالفة”.

  • وسط معاناة حقيقية للمرضى وصراعهم مع المدخنين في الحافلات وضعف في تطبيق القوانين الصحية يضطر أغلب المرضى وضع كمامات هشة على أفواههم رغم معرفتهم أنها لن تمنع رائحة الدخان من التسلل الى رئتهم، لكن استخدامها بمثابة صرخة مدوية لإخبار الركاب “عن وجود مرضى لعلهم يمتنعون عن عادة التدخين وبخاصة في فصل الشتاء اذ تكون النوافذ مغلقة “حسبما تضيف.
    سعاد واحدة من بين عشرات المرضى الذين يفضلون عدم الإعلان عن مرضهم، غير أنهم قرروا مواجهة “نفثات الموت الممتلئة بالغازات السامة” بصمت أحيانا.
    “تغوّلُ الكثير من الأشخاص على حريات الآخرين ضاربين بعرض الحائط القوانين والأنظمة المانعة لمثل هذا السلوك”، هذا ما أكدت عليه دراسة أردنية قام بإجرائها أستاذ القانون المدني في كلية الحقوق بجامعة مؤته الدكتور محمود العقايلة.

 

  • وخلصت الدراسة التي استندت فيها إلى نص (المادة 256) من القانون المدني، إلى”أحقية المدخن السلبي في مقاضاة المدخن طلباً للتعويض عما يلحق بهِمن أضرار ناجمة عن استنشاقه لدخان التبغ ومشتقاته بطريقة قسرية”.قصة المريضة سعاد لا تختلف كثيرا عن معاناة عن الخمسينية ام عمار التي تعاني من ربو مزمن منذ ثلاثين عاماً أصاب شُعبها الهوائية، ولم يشفع تنفسها المتقطع لها كي يتوقف أحد المدخنين عن عادته “غير المسؤولة” بإطفاء سيجارته خلال توجهها الى منزلها في حي الامير محمد بمدينة الزرقاء.
    عبرت المريضة ام عمار عن استيائها الشديد بسبب عدم اكتراث بعض المدخنين من خطورة رائحة السجائر وتأثيرها على صحة الركاب جميعا، قائلة “أحيانا أتعرض للسخرية في حال تنبيههم لخطورة سلوكهم”، مضيفة أنها أخرجت بخاخ الفنتولين “الذي أصبح صديقي الدائم لأستعيد به بعض أنفاسي، وفتحت الشباك” وهنا تضامنت معي اصوات الناس من حولي، طالبين من ذلك المدخن إطفاء سيجارته، لينصاع أخيرا ولكن بعد أن أصبحت سيجارته في الرمق الأخير.
    وبالرغم من تجريم مرتكبي هذا السلوك بالسجن والغرامة المالية، وفقاً لقانون الصحة العامة المعدل، إلا أن هذه الممارسات في تزايد مستمر.
    وبحسب تصريحات سابقة لرئيسة جمعية “لا للتدخين” لارا الور، فإن التدخين في الوسائط العمومية “يساهم في زيادة نسبة الحوادث بنسبة 50 %”.
    ويستغرب العشريني مجد محمد من سكان طبربور من أن ملصقات منع التدخين على نوافذ الباصات لم تمنع تلك الغازات السامة من التسلل لصدره الذي يعاني من حساسية مزمنة
    مجد يتنقل يوميا من المجمع الشمالي الى اربد ليلتحق بمحاضراته في جامعه اليرموك، وتزداد معاناته بسبب مشادات كلامية مع مدخنين لا يهتمون كثيرا لس  وصحة الركاب من التدخين السلبي، مشيرا الى أن بعض السائقين “يلتزمون بقرار منع التدخين رغم امتعاض المدخنين”.
    وكانت جمعية “لا للتدخين” أطلقت حملة توعوية قبل سنوات مضت بالتعاون مع هيئة تنظيم النقل البري بعنوان “نحو أردن خال من التدخين في الاماكن المغلقة” حيث تم طباعة ملصقات ارشادية تحمل عبارة “لا للتدخين” وبدعم من شركة جت لنقل الركاب تم توزيعها من قبل مراقبي الهيئة الميدانيين في المجمعات الرئيسة وإلصاقها على الزجاج الامامي للحافلات.
    رغم تلك الحملات، يرى مدير التوعية السابق في وزارة الصحة الدكتور مالك الحباشنة ان “الحملات التوعوية حول مضار التدخين في المواصلات العامة لم تعط نتائج ايجابية حتى الآن”، مبررا ذلك أن “تغيير سلوك المدخن بحاجة الى وقت واستمرارية في الحملات التوعية وتفعيل القوانين في تحرير مخالفات وصولا لسحب المركبة وحجزها”.
    وتكشف دراسات شارطت بها وزارة الصحة في الأعوام 2009، 2011، 2012 بعنوان المسح العالمي للتدخين بين الشباب” عن ان نسبة الأشخاص الذين يتعرضون للتدخين السلبي في المواصلات تصل إلى 72 %”.
    واقترح الحباشنة في حديثه لـ “الغد” أن يصار الى “تفعيل الحملات التوعوية بالتعاون مع المجتمع المدني المتخصص بمكافحة التدخين والتبغ في ظل انتشار ظاهرة السيجارة الالكترونية بجانب السيجارة التقليدية”، لافتا الى “أهمية تدريس ثقافة حقوق الآخرين في المناهج المدرسية لتنشئة أجيال واعية بحقوق
  • الانسان”.
    وبحسب ما أكدت منظمة الصحة العالمية خلال الاحتفال باليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ في ايار (مايو) الماضي فإن التدخين السلبي يتسبب بوفاة 60 ألف طفل سنويا.
    وهروبا من مضار التدخين السلبي تضطر الثلاثينية أم ربيع المصابة بسرطان الكلى استخدام “التكسي الأصفر” بدلا من سرفيس جبل النظيف، حين يحل موعد جلستها الكيماوية بمستشفى البشير الحكومي.

جميع الحقوق محفوظة للمركز الوطني للعناية بصحة المرأة ©

All Rights Reserved to National Woman's Health Care Center ©